
السياسة التعليمية بالمغرب والرفع من جودة التعلمات
دراسة مقارنة بين التدريس بالكفايات والتعليم
الصريح
باحث في قضايا التربية والتعليم
منذ استقلال المغرب شهدت البلاد سياسات تعليمية مختلفة في سياق تبنيها وتنزيلها مما ساهم في بروز عدة اختلالات في المنظومة التربوية نتجت عنها اختيارات بيداغوجية يتم تقييمها في كل مرحلة من المراحل لغاية ايجاد مختلف الحلول للمشاكل التي ساهمت في تفاقمها. وفي كل محطة يتم الترويج لمختلف الاختيارات التي تشكل العمود الفقري للسياسة التعليمية وتسخر الدولة مختلف الامكانيات لإنجاحها للرفع من جودة التعلمات ومعالجة مختلف الاختلالات التي تشكو منها هذه المنظومة.
مقدمة
يعتبر التعليم مشروع بيداغوجي يستهدف تأهيل أكبر عدد ممكن من المتعلمين مع مراعاة شخصية كل واحد، وقدراته بشكل يكرس قواعد التعلم الذاتي لتحقيق النجاح للجميع؛ ولا يتم ذلك إلا باعتماد الطرق التي تمنح التربية والتعليم معا، مع التركيز على تكريس السلوكات الذهنية والعملية من خلال العمل التربوي الذي يهدف إلى تعليم التلميذ كيف يتعلم. والطرق النشيطة في تناول العمل التربوي، لمساعدة التلميذ على التفتح وتوفير الثقة المتبادلة بينه وبين المعلم. ومعرفة أوضاع المتعلمين الذين يتعامل معهم. وفسح المجال للمتعلمين للإسهام في اتخاذ القرار والمشاركة بفعالية في النشاطات التربوية. ويعتبر قطاع التعليم أساس التنمية. وقد لعبت المدرسة المغربية أدوارا إيجابية في مجال التنشئة الاجتماعية، وتكوين مواطنين قادرين على مجابهة مختلف التحديات التي تفرضها الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والتنافسية العالمية في المجال المعرفي. وقد شغلت السياسة التعليمية منذ عقود خلت حيزا كبيرا في الدولة نظرا للأهمية التي تحظى بها باعتبارها القضية الثانية بعد الوحدة الترابية؛ لما لها من أثر في تكوين الأجيال، وبناء المجتمع، وتكريس قيم المواطنة وتنمية قدرات المتعلمين ومهاراتهم. وتقع المدرسة في قلب المجتمع، ويتمثل دورها في نقل المعرفة والقيم التي ستمكن ليس فقط من الاندماج فيه، بل أيضًا المساهمة في تنميته. ومع ازدياد كمية المعرفة المنتجة بمعدل مذهل في عالمنا المعاصر، فإن هذا التراكم الهائل من المعرفة المتاحة لها تأثير كبير على حياة الأفراد.
يكمن الرهان الأساسي في إصلاح المنظومة التربوية من خلال إعطاء
الأولوية للحلول التربوية والبيداغوجية لمعالجة اختلالات المنظومة التربوية؛ عبر
استبعاد منطق المعالجة التقنية الصرفة للإشكاليات التربوية، وتجاوز المقاربة
الكمية إلى ما هو نوعي، من خلال التركيز على المستهدف الأساسي من الإصلاح
(المتعلم). وكذا تجديد المحتويات والمضامين وتحديث البرامج والمناهج الدراسية،
ومراجعة المقاربات التدبيرية المعتمدة حاليا في تسيير الشأن التربوي. ولن يتأتى
ذلك، إلا بممارسة الحكامة الجيدة في تدبير المنظومة التربوية، عبر ربط المسؤولية
بالمحاسبة، والحرص على ترسيخ مبادئ الجودة والشفافية وتكافؤ الفرص في الاستفادة من
الخدمات التربوية.
الإشكالية الرئيسية
شهدت المدرسة تحولات جذرية وعميقة تندرج ضمن سياق الإصلاحات التربوية
والتي جاءت كترجمة لأدوار مدرسة المستقبل التي تضطلع بدورها؛ والواقع أَّن أي
إصلاح تربوي لا يمكن أن يحقق مختلف الأهداف المسطرة له إلا بتحديد المقاربات التي
يمكن ان تساعد على ذلك. فمنذ حصول المغرب على الاستقلال تم تبني مجموعة من
البيداغوجية في الحقل التعليمي لكل واحدة منها ايجابيات وسلبيات ساهمت بشكل أو
بآخر في النتائج التي يتم الكشف عنها في مختلف المحطات ويعتبر التدريس بالكفايات
والتعليم الصريح نموذجا لذلك. فماهي أهم ما يميز كل واحدة منها وما هو انعكاس ذلك
على المنظومة التعليمية بالبلاد؟
المحاور الأساسية
- أولا: المقارنة على مستوى السياق والمفهوم
- ثانيا: المقارنة على مستوى دور الاستاذ والمتعلم
- رابعا: المقارنة على مستوى التقويم
- خلاصات
أولا: المقارنة على مستوى السياق والمفهوم
يرتكز التعليم التقليدي الموسوعي على المدرس
باعتباره صاحب سلطة معرفية مطلقة، يقدمها للتلميذ جاهزة عن طريق مجموعة من الأسئلة
التي تستوجب الحفظ والتقليد والتكرار. ومن ثم، يصبح التلميذ يعتمد على مدرسه، لا
يستطيع أن يواجه ما يتعرض له من المواقف المستجدة، أو يلبي طلبات المقاولات
الحديثة؛ لأنه لا يملك الكفاءات والمهارات المهنية والمنهجية والتواصلية والذهنية
واللغوية، بل يقف مكتوف اليدين عاجزا عن التأقلم والتكيف مع مستجدات الواقع
الاقتصادي الجديد لأن معارفه نظرية مجردة غير وظيفية، تنقصها الممارسة والخبرات التجريبية.
استلزم التطور العلمي والتكنولوجي المعاصر، منذ
منتصف القرن العشرين، توفير أطر مدربة أحسن تدريب لتشغيل الآلة بكل أنماطها؛ مما
دفع بالمجتمع الغربي ليعيد النظر في المدرسة وطبيعتها ووظيفتها، بربطها بالواقع
والحياة وسوق الشغل، قصد محاربة البطالة، وأسباب الفشل المدرسي، وإيجاد حل
للامساواة الاجتماعية. ويعني هذا ربط المدرسة بالمقاولة والحياة المهنية والعولمة
والقدرة التنافسية المحمومة. أي: على المدرسة أن تنفتح على الواقع والمجتمع معا
لتغييرهما ولا قيمة للمعارف والمحتويات الدراسية إذا لم ترتبط بما هو وظيفي، لذلك أدى
ذلك إلى عقلنة المناهج التربوية وجعلها فعالة وناجعة.
تنوعت وتكاملت طرق التدريس في العصر الحديث من
أجل الوصول إلى تعليم ناجح ومثمر، وقد غزا هذا التيار النظام المدرسي الأمريكي
لأول مرة في أواخر الستينات وقد فرضت الكفاية نفسها في عالم التعليم في الولايات
المتحدة أولا، وفي أستراليا ثم في أوربا، وكانت المملكة المتحدة وسويسرا وبلجيكا
من بين الدول الأولى التي رغبت في إعادة النظر في نظامها التعليمي. ونتيجة لذلك
انتقل صناع القرار من ثقافة الأهداف إلى ثقافة الكفايات بالرغم من أن تمييز أحدهما
عن الآخر لم يكن واضحًا. ولقد أصبح التدريس بالكفايات منهاج للتعليم والتعلم يهدف
إلى أن يكسب المتعلم معارف وقدرات، ومهارات تمكنه من حل المشكلات، والتصرف
الإيجابي في الوضعيات الطارئة والمستجدة.
ظهرت المقاربة بالكفايات كخيار يمكن المتعلم أن
يكون قطبًا أساسيا داخل العملية التعليمية، وأسلوب يتجاوز من خلاله أخطاء
المقاربات الأخرى التي تسمح به اكتساب مهارات يستطيع من خلالها حل المشكلات التي
تصادفه أثناء مساره البيداغوجي أو المهني، مما يفتح المجال واسعًا للتلميذ لكي
يتعلم بنفسه. ونتيجة لأزمة التشغيل التي كانت تعاني منها، ومازالت تعاني منها دول
العالم الثالث؛ لأن المدرسة لم تعد وظيفية تساهم في التنمية الشاملة، وتحقق
المستقبل السعيد للمتعلمين وخريجي الجامعات الذين يتزايدون سنة بعد سنة. وقد ساهمت
هذه المدرسة غير الوظيفية في ازدياد أفواج العاطلين بشكل خطير. لذا، فكرت الدول أن
تربط المدرسة بالمحيط وسوق الشغل بتأهيل المتعلمين تأهيلا وظيفيا. وفي هذا السياق
بالذات، ظهرت بيداغوجيا الكفيات لتعيد النظر في وظيفة المدرسة التي تركز كثيرا على
المعارف الكمية على حساب الكفايات والمهارات والقدرات الوظيفية. ومن ثم، ركزت هذه
النظرية الجديدة على ثلاث مكونات ضرورية هي: الكفايات، والوضعيات والسياق الوظيفي.
ومن ثم أصبحت مقاربة إجرائية ناجعة في معالجة مشاكل التربية والتعليم، خاصة مشكل
التقويم الذي يعتمد على مفهوم جديد، هو مفهوم الإدماج الذي يعني إدماج المتعلم
لموارده المكتسبة حين مواجهة الوضعيات الصعبة.
بدأ تدريس التعليم الصريح في ستينات القرن
العشرين كرد فعل على الفجوات المستمرة في مستويات التحصيل لدى الطلاب. وقد يُنسب
الفضل في تأسيس هذا المنهج التربوي إلى العالم الأمريكي "سيغفريد
إنجلمان"، وبعد ذلك طوّره خبير علم النفس التربوي "براك
روزنشاين"، حيث أدخلا مراحل إجرائية واضحة لهذا الأسلوب. ويعتبر أسلوبا
تعليميا مباشرا يُقسم المحتوى إلى خطوات واضحة ومحددة، تُقَدَّم للطلاب عبر
تعليمات محسوسة ومنظمة. يقوم المدرس بتبني استراتيجية مبنية على التخطيط المسبق،
حيث يشرح الأهداف والكفاءات المطلوبة، ثم يقدم تدريبات متكررة وموجهة، ويتفاعل مع
المتعلمين بشكل مستمر من خلال تغذية راجعة منتظمة، مما يقلص الفجوات في التحصيل
ويدعم المتعثرين. ويقوم على اختيار مضامين التعلّم بشكل منطقي، وتنظيمها بشكل
متسلسل ومدروس، وتقطيعها إلى وحدات تعليمية صغرى تسهل على المتعلمين التحكم فيها،
تبعًا لقد ا رتهم على تنشيط الذاكرة العاملة والانتباه والتركيز، وتستحضر
مكتسباتهم السابقة. ويوفر التعليم ا لصريح التوجيه والدعم اللاًزمين. ويتميز
بتقديم المعرفة أو المهارة موضوع التعلّم وعرضها بشكل واضح ومباشر، ثم دعوة
المتعلمين إلى تطبيقها في الوقت المناسب بدعم منهجيّ من المدرس. ويسعى التعليم
الصريح بهذه الاختيارات البيداغوجية إلى التفويض التدريجي لمسؤولية التع لّم عن
طريق خفض مستوى الدعم والمساندة المقدمين للمتعلم، بشكل مدروس ومنهجي، والوصول به
إلى اكتساب المهارة والتحكم فيها، سعيًا إلى تحقيق استقلالية ذات المتعلم في
التفكير والتطبيق.
ثانيا: المقارنة على مستوى دور الاستاذ والمتعلم
يعتبر الأستاذ أساس العملية التعليمية وركيزته،
وهو أساس التقدم والحضارة، فلا يجب الاستهانة بدوره حتى نحصل على مجتمع متقدم، حيث
أن دوره أكبر بكثير من مجرد الشرح داخل الفصل، فهو معلم الأجيال ومربييها ورائد
الفكر ومؤسس نهضة وإذا كانت الأمم تقاس برجالها فهو باني الرجال وصانع المستقبل.
للأستاذ دور كبير في العملية التعليمية والتربوية، يتجلى إدارة المواقف التعليمية
والتربوية وإعداد المتعلمين للقيام بالأدوار المنوطة بهم لاكتساب نختلف المهارات
الضرورية لمواجهة مختلف متطلبات الحياة. ومن أهم العوامل التي تُساهم في إنجاح
العملية التعليمية، فهو الذي يساعد المتعلمين على التعليم، لذلك فإن أدواره عديدة
ومتداخلة تتغير بتغير الظروف ومتطلبات المجتمع. ويقوم بنقل المعلومات لكونه وسيط
بين التلاميذ والمادة التعليمية، إذ يتطلب منه نقل المعلومات والمعارف إليهم،
وبالتالي يجب أن تتوفر فيه المعارف المناسبة، وأن يمتلك الكفايات التعليمية التي
تُؤهله لذلك، فلا يأتي للحصة الدراسية، دون أن يُحضر جيدًا للموضوع الذي سيشرحه،
إلى جانب أن يكون أمينًا في نقله للمعلومة.
● أولاً،
يتميز بمركزية ودور الأستاذ النشط، فهو محرك التغيير وليس مجرد مرافق أو مرشد: إنه
يسأل، وينظم، ويشرف، ويقدم ملاحظات.
● ثانياً،
التعليم الصريح للمحتويات. يحدد الاستاذ أهدافاً محددة في مجال التعلم، والمفاهيم
والمهارات التي يجب تعلمها ويقوم بتدريسها، ولا يتوقع من المتعلمين اكتشافها
بأنفسهم بشكل مستقل.
● ثالثًا،
ينظم الاستاذ حصته الدراسية بحيث يركز أولاً على اكتساب المعرفة والمهارات، ثم على
استخدامها بشكل مستقل من قبل المتعلمين. وبالنسبة للذين يعانون من صعوبات، على وجه
الخصوص، من الصعب جدًا العمل بشكل مستقل إذا لم يتم إتقان المعرفة والمهارات
اللازمة لحل المهمة. وقد اثبتت الدراسات التي أجريت في الفصول الدراسية على مدى
الأربعين عامًا الماضية تأثير الاستراتيجيات التي يستخدمها المدرسون في كل من
إدارة الفصل الدراسي وإدارة التعلم. وقد أبرزت هذه الدراسات الدور المركزي الذي
يلعبه المدرس وتأثيره.
تعتمد الأساليب التربوية المنظمة، مثل التدريس
الصريح، على استراتيجيات تربوية تم التحقق من صحتها من خلال أبحاث تجريبية للرفع
من التعلم. في مقالهما الشهير، حدد روزنشاين وستيفنز (1986) ست وظائف تربوية
رئيسية للتعليم الصريح:
أما المقاربة بالكفايات تجعل من التعليم أكثر
فعالية كما تعمل على تحسين التعليم وتطويره كونها تركز على المتعلم أكثر من المعلم
فتجعله محور العملية التعليمية والمعلم موجها ومقوما ومرشدا.
يظل الهدف قابلا لأن يستخدم للدلالة على
الكفاية المقصودة وهكذا تكون أهداف منهاج أي مادة دراسية هي مجموع الكفايات التي
تسعى إلى إكسابها للمتعلمين. وتهدف إلى تطوير مهارات متعددة لدى المتعلمين تتجاوز
المعرفة المجردة إلى تعزيز قدراتهم العملية والتطبيقية، مثل التفكير النقدي وحل
المشكلات، مما يؤهلهم لمواجهة متطلبات الحياة والعمل.
ومن حيث أسلوب التدريس، فيعتمد التعليم الصريح
على التعليم المباشر والموجه، حيث يتم تقديم المعارف بصورة متتابعة ومنظمة، مما
يجعل العملية التعليمية أكثر وضوحاً للمتعلمين في المقابل، في حين ترتكز الكفايات
على أساليب تعليمية متنوعة تهدف إلى اكتساب الكفايات من خلال مواقف تعليمية
حقيقية، كالتعلم التعاوني والمشاريع، مما يسمح للمتعلمين بالتعلم من خلال التجربة
والممارسة الفعلية.
إذا كانت وظائف المدرسة الجديدة تتجاوز المهام
التقليدية المتمثلة في شحن أذهان المتعلمين بالمعارف الغزيرة التي تفتقد لكل دلالة
ونجاعة وفعالية، إلى أدوار طلائعية جديدة قوامها التجديد والإبداع والانفتاح على
المحيط، مستحضرة في ذلك حاجات المجتمع الفردية والجماعية، فهذا بالطبع لن يتم
بالطبع إلا عبر تفعيل الحياة المدرسية لما لها من دور فعال في بناء شخصية المتعلم
في أبعادها التربوية والمعرفية والمهاراتية والوجدانية. لكي يصير المتعلم فاعلا في
مجتمعه لابد أن يكون فاعلا في بناء تعلماته وقادرا على توظيفها في وضعيات جديدة.
في حين أن التدريس بالكفايات يسعى إلى تطوير
مهارات محددة لدى المتعلمين تتجاوز حفظ المعلومات إلى تمكينهم من تطبيق المعرفة في
مواقف حياتية مختلفة. في هذا النظام، يتم التركيز على تعزيز الكفايات الأساسية،
مثل التفكير النقدي وحل المشكلات، بما يتماشى مع متطلبات الحياة والمجتمع.
والتركيز على تنمية المهارات يسعى التعليم القائم على الكفايات إلى تطوير مهارات
عملية تشمل التحليل. التفكير النقدي، وحل المشكلات، وتنوع في أساليب التدريس:
يستخدم المعلم أساليب متنوعة لتلبية احتياجات المتعلمين المختلفة، مثل التعليم
التعاوني والمشاريع. فالكفاية تكتسب انطلاقا من جملة من القدرات والمهارات
والأهداف، التي يتم استيعابها في وضعيات تربوية مختلفة.
ويعتبر التلميذ محور العملية التعليمية
التعلمية والأستاذ موجه، بينما في التدريس بالأهداف يكون الأستاذ هو الكل في الكل.
فالغاية من الكفايات هو وضع المتعلم في مشكل وهو من يبحث عن المخرج باستخدام
قدراته ومهاراته، بينما في الأهداف نطرح المشكل مع الحل.
وبالنسبة إلى دو ر الأستاذ في التعليم الصريح
فيقوم بدور الموجه والداعم للمعرفة، حيث يقدم توجيهات بشكل مستمر ويعمل على توفير
تغذية راجعة للمتعلمين طوال عملية التعلم، ما يساعدهم على تحقيق الأهداف بوضوح.
أما في التعليم العادي (الكفايات)، فيعمل كمرشد ومحفّز للتعلم الذاتي، حيث يشجع
المتعلمين على الاستكشاف والتفكير النقدي ويعتمد على إشراكهم في الأنشطة التعليمية
بطريقة تفاعلية، مما ينمي لديهم حس المسؤولية عن تعلمهم. ويتسم دوره بالشمولية حيث
لا يقتصر على التقديم والتلقين؛ بل يتجاوز ذلك إلى الإرشاد والدعم والمواكبة والتحفيز؛
إضافة إلى توظيف الوسائط الرقمية في تقديم الحصص في مختلف المواد التي تدرس في
التعليم الصريح. فالأساس في المقاربة الصريحة هو التصريح بالعمليات الإجرائية،
ولعل أنجع طريقة لذلك هي شرح كل الخطوات لتحقيق مهمة ما، مع الحفاظ على بناء هذه
الخطوات واحترام تسلسلها المنطقي. و يتم تقديم المعلومات بشكل مباشر ومنظم، مما
يقلل من احتمالية حدوث سوء فهم أو غموض حول الموضوعات المطروحة. ويساعد هذا في
بناء أساس قوي للمعرفة لدى الطلاب، حيث يضمن أن الجميع يتلقى نفس المعلومات بشكل
واضح ومتسلسل. ويتطلب تواصلاً مستمرًا بين المعلم والطلاب، حيث يوضح المعلم خطوات
العمل ويتيح للطلاب طرح الأسئلة في الوقت المناسب. هذا النوع من التفاعل يُعزز
العلاقة بين المعلم والطالب ويشجع الطلاب على المشاركة الفعالة في الحصة الدراسية.
فمن خلال الشرح الواضح والنماذج العملية، يساهم التدريس الصريح في تعزيز استيعاب
المتعلمين للمفاهيم. كما أن التكرار المنهجي والممارسة المستمرة يساعدان الطلاب
على الاحتفاظ بالمعلومات لفترات أطول، مما يحسن الأداء الأكاديمي على المدى
البعيد. ويسعى إلى تمكين المتعلمين من فهم المفاهيم بشكل شر وتدريجي، بحيث يتم
التركيز على تقديم المعلومات بأسلوب واضح ومنظم يساعدهم على تحقيق الأهداف.
ويتم توظيف أسلوب التكرار للحفظ على المدى
الطويل. ليسهل ادماجه في الذاكرة. والفرق بين طرق التدريس الضمنية والصريحة هو
الفرق بين المدر س الذي يستخدم أسئلة المحادثة في مجموعة صغيرة والمدرس الذي يوضح
مجموعة من التعليمات نفسها لكل متعلم.
ثالثا: المقارنة على مستوى التقويم
يختلف النظامان في تقييم الأداء؛ إذ يركز
التعليم الصريح على التقييم المستمر الذي يعتمد على تحقيق الأهداف التعليمية
المحددة، مع تقديم تغذية راجعة دورية تساعد المتعلمين على تحسين أدائهم؛ في حين
يعتمد التدريس بالكفايات على تقييم شامل يأخذ في الاعتبار مجموعة من المؤشرات
والمعايير التي تعكس مدى تحقيق المتعلمين للكفايات المطلوبة، بحيث يتم تقييمهم
بناءً على قدرتهم على تطبيق المهارات والمعارف المتنوعة. ويشمل أدوات تقيس الأداء
بناء على مجموعة من المؤشرات والمعايير، ما يعكس قدرة المتعلم على تطبيق المهارات
المكتسبة.
يعتبر عنصرا أساسيا في أي عملية تعليمية، وخاصة
في التدريس الصريح الذي يركز على نقل المعلومات والمهارات بشكل مباشر. فلتقييم مدى
فعالية التدريس الصريح ومدى استيعاب الطلاب للمعلومات، يمكن استخدام مجموعة متنوعة
من الأدوات. وتكمن أهميته في قياس الفهم، حيث يساهم في تحديد مدى فهم الطلاب
للمفاهيم والمهارات التي تم تدريسها. وتعديل التدريس عبر توفير معلومات حول
المضامين التي تتطلب المزيد من التوضيح أو الممارسة، مما يسهل تعديل مختلف الطرق
والخطط. كما أنه يؤدي إلى تحفيز المتعلمين عبر تغذية راجعة لقياس درجة تقدمهم في
التحصيل.
ومن الأدوات التي يتم توظيفها في التقويم في
التعليم الصريح هناك الاختبارات الكتابية والواجبات المنزلية. أما تقويم الكفاءة
يعني أن نطلب من التلميذ تحقيق إنتاج معقد. ويتـم بوضع التلميذ أمام عائلة من
وضعيات إشكالية حقيقية أو شبه حقيقية، والتي تحدد الكفاية، وتتبعه كيف يتصرف أمام
هذه الوضعية. ثم تحليل ما ينتجه بالنسبة لهذه الوضعية المشكلة. ويتم الحكم على
الأداء عبر التقويم التكويني حسب معايير تقوم بضبط ومناقشة المتعلمين مما ييسر
الفهم لبلوع الكفايات المطلوبة.
ويرتكز التقويم في بيداغوجية الكفايات على قياس
مدى تحكم المتعلمين من مهارة اكتساب الموارد وتوظيفها بشكل سليم في مختلف الوضعيات
التي يواجهونها وبالتالي تحديد مدى التحكم في المهارة لغاية اعطاء معنى للتعلمات
وبالتالي تحويل المحتويات الى وضعيات معقدة.
خلاصات
اعتمد النظام التعليمي المغربي منذ بداية
الألفية الثالثة مجموعة من المقاربات البيداغوجية الهادفة إلى تحسين جودة التعليم،
مثل مقاربة الكفايات، بيداغوجيا الإدماج، بيداغوجيا المشروع. ورغم الطموحات
النظرية لهذه المقاربات، إلا أن تطبيقها داخل الفصول الدراسية ظل محدودًا بسبب
عوامل عدة منها ضعف التكوين، نقص الدعم الميداني، والاكتظاظ، وقلة الموارد، وضغط
الزمن المدرسي. ففي هذا السياق برز التعليم الصريح كبديل عملي يعيد الاعتبار لدور
المدرس كموجه فاعل، ويساعد المتعلمين على تجاوز صعوبات التعلم الأساسية، خاصة في
القراءة والرياضيات، حيث أثبتت التجارب محدودية نتائج المقاربات السابقة مقارنة
بما هو مطلوب.
ترتبط الأهداف والكفاية ولا يمكن الفصل بينهما،
فالانطلاق من تحديد الهدف مسألة أساسية الامتلاك الكفاية وتحقيقها ومفهوم الكفاية
في حد ذاته جاء لتجاوز المشاكل التي ظهرت مع التدريس بالأهداف. وترتبط الكفاية
بالإنجاز وتشمل مفهوم القدرة والمهارة بمعناها المركب بمعنى قدرات ومهارات متعددة
ومتصلة قابلة للتكيف والملاءمة مع الوضعيات الجديدة، فهي مجموعة من الإنجازات في
هيئة إجراءات محددة تقترب في صياغتها من أساليب الأهداف، ولن يتأتى ذلك إلا
باشتقاق مجموعة من الأهداف المعرفية والمهارية والوجدانية.
يعتبر التعليم الصريح من الأساليب التعليمية
الحديثة التي تركز على تقديم المحتوى بوضوح، في حين يعتمد التعليم التقليدي على
الكفايات كإطار مرجعي لتطوير مهارات معينة لدى المتعلمين. يؤدي الاهتمام المتزايد
ببيداغوجيا التصريح، وتعميم العمل بها إلى نتائج عكسية حين يصبح التعليم بشفافيته
المبالغ فيها، مفتقرا إلى المحرك الأساسي لكل رغبة في التعلم وهي
"الفضول"، لذلك يبقى توخي الحذر في اعتماد هذه المقاربة أمرا مطلوبا
لضمان استمراريتها ودوام فعاليتها ونجاعتها. فهو ليس تعليماً تقليدياً أو
محاضراتياً. وليس مفهومًا سلبيًا لتعلم المتعلمين. فهو تعليم منظم، حيث تهدف
الأنشطة إلى تعزيز فهم أفضل لموضوع التعلم من خلال شروحات واضحة وعروض توضيحية
وممارسات موجهة.
لذلك، فإن هذه البيداغوجيات ترتبط فيما بينها
على مستوى تحديد الأهداف التي تعتبر القاسم المشترك بينها، ففعالية أية نموذج
بيداغوجي في الحقل التعليمي المغربي غير مرتبط باستيراد تجارب دول مختلفة وإن كانت
قديمة في سياقها ومختلفة في التنزيل بقدر ما يرتبط بتوفير مختلف الوسائل لإنجاحها
وتقييم التجربة في محطات عدة للخروج بنموذج تعليمي يساهم في تكوين مواطن مغربي
قادر على الابداع ومواكبة التطورات الحاصلة في العالم عوض التركيز على القراءة
والحساب وإلا فسوف نعيد نفس الأخطاء المرتكبة في مختلف الفترات التي أدت إلى احتلال
البلاد مراتب متأخرة في سلم الترتيب العالمي.
لائحة المراجع
● عبد الغفور العلام، إشكالية التربية والتعليم
بالمغرب: أزمة الإصلاح أم إصلاح الأزمة. مقال منشور على الموقع: إشكالية التربية
والتعليم بالمغرب: أزمة الإصلاح أم إصلاح الأزمة؟ - منتديات دفاتر التربوية
التعليمية المغربية.
● جميل حمداوي، نحو تقويم تربوي جديد التقويم
الاجمالي، الطبعة الأولى، 2015.
● حسن كون، التعليم الصريح للقراءة: المتعلم
قارئا استراتيجيا، مجلة الإدارة التربوية، العدد 2، 2023.
● - Clermont Gauthier et steve Bissonnette،
Réferenciel de l’enseignement explicite،
publier par : Ministère de l'Éducation nationale, du
Préscolaire et des Sports, Maroc, 2022.
● - Clermont Gauthier et Steve Bissonnette،
L’enseignement explicite،
une approche pédagogique pour la gestion des
apprentissages et des comportements.
● - Clermont Gauthier et Steve Bissonnette، Réforme scolaire Marocaine: Impact du Programme des Écoles Pionnières، Rev. Int. de Form.de Professores (RIFP), Itapetininga, v. 10,2025,
شاركنا رأيك في التعليقات.